الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

415

نفحات الولاية

الغلام عنها ، وقال : خذ غيرها ، فأبى زياد ذلك ولجّ ، فاستغاث شيطان بأخيه العدّاء بن حُجْر ، فقال لزياد : دَعْها وخذ غيرها ، فأبى زياد ذلك ، وَلَجّ الغلامان في أخذها ولجّ زياد وقال لهما : لا تكونَنّ شذرة عليكما كالبَسوس ، فهتف الغلامان : يالعمرو ! أُنضام ونُضطهد ! إنّ الذليل مَنْ أكِلَ في داره . وهتفا بمسروق بن معدى كرب ، فقال مسروق لزياد أطلقها . ثم قام فأطلقها ، فاجتمع إلى زياد بن لَبيد أصحابه ، واجتمع بنو وَليعة ، وأظهروا أمرهم ، فبيّتهم زياد وهم غارون ، فقتل منهم جمعا كثير ، ونهب وسبى ، ولحق فلُّهم بالأشعث بن قيس ، فاستنصروه فقال : لا أنصركم حتى تملِّكونى عليكم . فملّكوه فخرج إلى زياد في جمع كثيف ، وكتب أبو بكر إلى المهاجر ابن أبي أمية وهو على صنعاء ، أن يسير بمن معه إلى زياد ، فاستخلف على صنعاء ، وسار إلى زياد ، فلقواالأشعث فهزموه وقُتِل مسروق ، ولجأالأشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالنُّجَيْر . فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتى ضعفوا ، ونزل‌ليلا إلى المهاجر وزياد ، فسألهما الأمان على نفسه ، حتى قدما به على أبى بكر فيرى فيه رأيه ؛ على أن يفتح لهم الحصن ويُسْلم إليهم من فيه . فحملواالأشعث إلى أبي بكر مؤثقاً في الحديد ، فعفى عنه وزوّجه ، أخته أمّ فروة بنت أبي قُحافة وكانت عمياء فولدت للأشعث محمداً وإسماعيل وإسحاق . تأمّلان 1 - علة هذا الاصطدام العنيف لعل هنالك من يصاب بالذهول ممن لا يعرف مدى نفاق‌الأشعث بن قيس لهذا الاصطدام العنيف الذي اتبعه الإمام إزائه حتى خاطبه بلعنة الله والناس أجمعين ، ثم وصفه بتلك الصفات الشائنة كقوله : « حائك بن حائك ، منافق بن كافر ، والله لقد أسرك الكفر مرة والإسلام أخرى ! فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبك ! وإن إمراً دلّ على قومه السيف وساق إليهم الحتف ! لحري أن يمقته الأقرب ، ولا يأمنه إلأبعد » ألا أنّ أدنى نظرة إلى التاريخ الأسود الذي حفلت به حياة هذا المنافق لتكشف عن مدى فساده وافساده للوسط الإسلامي ، بل كان منقوتا حتى في الجاهلية ، إلى جانب كونه اليد الخبيثة في تأجيج نار الحروب حتى اشتهر بلقب « عرف النار » .